وفي صدري كثيرٌ من غبارِ العشقِ رفقاً فانفضيه

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

مهاوزة


لم يكن للشقاوة في طفولتي حضوراً طاغياً مثل ذلك الحضور الذي سجله أقراني, لكن هذه الشقاوة وإن كانت نادرة الحضور إلا أنها تستحق أن تسجل في مذكراتي باعتبارها جزءاً من حياتي التي خلقت شخصيتي, ولعلّ هذه الشقاوة قد بلغت ذروتها إلى الحد الذي لعبت فيه كرة القدم في يومٍ ماطرٍ مع أصدقائي داخل جامع القرية, والأغرب أننا مارسنا لعبة كرة القدم بملابس وأحذية وكرة مبللة بالكامل حيث كنا نسدد باتجاه محراب الجامع وتر
كنا بقعة على يسار المحراب ظللنا نخشع لرؤيتها حتى بلغنا الكبر قبل أن يتم طلاء الجامع ومسح ذلك الأثر إلى الأبد إلا من ذاكرتي وذاكرة اصدقائي..
لكن الشقاوة التي كنت أمارسها باعتبارها غوايتي المفضلة هي غواية "فضح المتهاوزين" عن طريق تتبع خطواتهما التي تكون في الغالب في أطراف القرية وفي أواخر النهار حين ينشغل الرجال بمقيلهم والنساء بتفريطتهن, وينشغل العاشقان المتهاوزان بالحب, وأنشغل أنا وأصدقائي بملاحقتهما سراً ومن ثم فضحهما وتناقل أخبارهما على اشداق كل أبناء القرية.
لم أكن أدري ما الدافع الحقيقي الذي جعلني اقوم بتلك الأعمال الصبيانية, وحتى الآن ما زلت أجهل هل هناك نزعة تعادي الحب وقيم الحب قد سكنت داخلي , أم أنه الشعور أنّ "المهاوزة" وبتلك الشاكلة تؤسس لمجتمع الرذيلة الذي يجب على أبناء المجتمع ــ وأنا منهم ــ تحمل المسؤولية في محاربته.
لا شي يسعدني في شقاوتي تلك أكثر من العثور على رسالة عاطفية والتمتع بفك طلاسمها والتلذذ بمعانقة الأحاسيس والمشاعر الفائضة فيها, إنها مشاعر تأتي على هيئة كلمات عفوية وبسيطة ونقوشات لقلوب ملونة وتواقيع خفية غالباً ما تكون حروف انجليزية تمثل الحروف الأولى للعاشقين, وأمام هذ الحروف تكون في الغالب العبارة الأشهر "الحب عذاب" والتي تمثل قداسة الحب وعظمة التضحية في سبيله.
"الحب عذاب" عبارة لطالما كانت تشعرني بالاستفزاز, لكني اليوم أقف أمامها بتمعنٍ يكفي لأفهم عن ظهر قلب ماذا تعني؟؟ ولماذا قيلت في تلك اللحظة بالتحديد؟؟
ما زلت أذكر أشهر الرسائل العاطفية التي ألقي القبض عليها في ضواحي قريتنا, كانت آخر عباراتها منقوشة بالدمع لا محالة " مزقيها .. احرقيها .. ارميها في سلة المهملات..." هكذا ختم العاشق رسالته إلى حبيبته, لكنه لم يفكر للحظة واحدة أنها ستصل إلى أيدي العابثين من أمثالي..
غفرانك الحب إني كنت من العابثين

فخر..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق