وفي صدري كثيرٌ من غبارِ العشقِ رفقاً فانفضيه

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

لحظاتٌ أنيقة




أفوق وأغفو على شحيح القلب وهو يذرف أحاديث المواجع , وأغسل عيون الصباح بلحون الماء وأغانيه وأظل تائهاً كعادتي, وللتخلص من ذلك أبتكرُ وسائل جديدة لاكتشاف نفسي والغوص في خفايا أسراري المغروسة في خاصرة رأسي المتقلب المزاج,وذلك عن طريق التقاط الكثير من الصور الفوتوغرافية لأشيائي المهمة والتافهة في آن .
في ذاكرتي الصغيرة كحبة المطر ثمة العديد من الصور لأيامٍ خلت وتراكمت فيها كومات الذكريات, معظم الصور داكنة الذكرى أو سوداوية بالأصح , والقليل فقط هي تلك التي تتزين بالألوان كما لو كانت في بستانٍ يعج بأنواع الورود والأشجار المزهرة, ومن حولها خرير الماء الذي صار الشغل الشاغل لأحاديث البهجة .
أنا متهمٌ بالتواطؤ مع الروائح الزكية في هذا الجدل الدائر, والذي أثقلني بالاكتئاب وكبَّلني بأصفاد الصمت وأرغمني على أن أكمل المسار متحدياً كل الصعوبات كي أصل ــ بعد مشقة التسلق ــ إلى ربوة الحلم الـ أصبح حقيقة .
بالنسبة لي فاللحظات الأنيقة في أزمنة العمر هي تلك التي أقضيها وأنا أمارس غواية السباحة في بحور الشعر, صحيحٌ أنه لا قوارب ولا مجاديف ولا بدلات سباحة تحميني من الغرق , لكن حسبي الوحيد أن للمشاعر الجياشة في صدري أصابعٌ تكتب الفرح وأناملٌ تنقش الوجع, فيأتي الفرح قليل الحضور ويأتي الوجع كثير الطغيان ليبدو كالطوفان الذي لا عاصم اليوم من أمره .
أتعاملُ مع الشعر باعتباره ألطف الكائنات حضوراً وأكثرها احتراماً لذلك المخلوق الذي يدعى أنا, فالشعر آيتي الوحيدة التي قدمت نبوءتي إلى الناس , وجعلتهم يدخلون في دين القلب أفواجا, فقد كان له ــ أي الشعر ــ الفضل في فتح بوابة صدري أمام الجميع ليدخلوا بلا استئذان وهم يحملون أمتعتهم التي عادةً ما تكون سبباً من أسباب اغترابي داخل نفسي .
أتذكر قصيدةً فاتنة الحُسن وباذخة الجمال , كانت في مقتبل العمر حين كتبتها لحبيبتي , وكنت قد رسمتها في ساعة شجنٍ مؤلمة على صفحةٍ سوداء اللون , وحين حاولت أن أحتضن الورقة بيدي ــ لأراها كيف تبدو ــ تفاجأت بانهمار الحزن على الأرض المحيطة بي ومن جميع الجهات .. كنت حينها مبللاً بالألم وغارقاً فيه , وكاد جسدي أن يتجمد من فرط القشعريرة القادمة من مسامات التجربة الشعورية في القصيدة , وحين أبصرني أحد الأصدقاء وأنا بتلك الحالة الرثة والتي يؤسف لها, أصدر تنهيدته بعفوية وزجرني بشدة وهو يحذرني من العودة لممارسة غوايتي في اللعب بالكلمات .
ما الذي يملكه الشاعر حين يعشق إلا أن يبكي كالطفل وينحني كالعبد ويتذلل ويكثر من وجع التشكي .. وهكذا أنا , أجد في القصيدة حضناً يقيني من البرد وكوخاً يحميني من فزاعات الليل لأني أخاف الظلام كثيراً , ولهذا فكل لحظة تمر وأنا أذكر حبيبتي تمر كضوء طيفٍ أمام عيوني , فتؤرقني شجوني ويعيثُ بيَ الوجد ويوكلني إلى أمكنة الأسى , وتكون القصيدة هي تمتمتي وهمهمتي وأكون أنا سيد الوجود .


فخر العزب
تعز 3 آب 2011م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق